دعوة الى اعتناق القوة الخفية

بسم الله الرحمان الرحيم
إن كل إنسان يظل محتاجاً لقوة يقهر بها ضعفه، ويستمد منها أثره، وتشكّل حياته ومستقبله، ويعبّر الإنسان عن هذه الحاجة في نفسه بتعبيرات كثيرة يبرز بعضها في كمية ما يأكل، أو في نوعه، ويبرز بعضها الآخر في انتسابه إلى مواقع رياضية لكسب هذه القوة من خلال التدريب والمران والممارسة، وهذه بلا شك من موارد اكتساب تلك القوة وتشكيلها في حياة الإنسان، وتظل في دائرة المباح مالم
تتجاوز إلى غيره فتمنع. 
وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم تذكير بهذه القوة، وحثّ عليها، ودعوة لاكتسابها كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير" قال النووي رحمه الله تعالى في شرح الحديث: وَالْمُرَاد بِالْقُوَّةِ هُنَا عَزِيمَة النَّفْس وَالْقَرِيحَة فِي أُمُور الْآخِرَة، فَيَكُون صَاحِب هَذَا الْوَصْف أَكْثَر إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوّ فِي الْجِهَاد، وَأَسْرَع خُرُوجًا إِلَيْهِ، وَذَهَابًا فِي طَلَبه، وَأَشَدُّ عَزِيمَة فِي الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر، وَالصَّبْر عَلَى الْأَذَى فِي كُلّ ذَلِكَ، وَاحْتِمَال الْمَشَاقّ فِي ذَات اللَّه تَعَالَى، وَأَرْغَب فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْأَذْكَار وَسَائِر الْعِبَادَات، وَأَنْشَط طَلَبًا لَهَا، وَمُحَافَظَة عَلَيْهَا، وَنَحْو ذَلِكَ. اهـ

والملاحظ في عامة أوساط الناس انحصار مفهوم الحديث في القوة الظاهرة المكتسبة في ظاهر بدن الإنسان، فتجد في الواقع أكثر الناس ممن لهم في ذلك الشأن أقوياء في البدن، ضعفاء في الروح، بل ربما كانت هذه القوة مصدر شقاء هذه الأجساد في كثير من الأحيان ترى ذلك في الواقع أكثر من أن تقدر على حصره. 

وثمة معنى عظيم الأثر في تحقيق أثر الإنسان في الأرض، وأكبر حادٍ له إلى صناعة المجد وأقوى الأسباب في تحقيق غايات الإنسان، وبناء تاريخه في الدنيا، هذا المعنى يغفل عنه الناس، ولا يأخذ من حياتهم الحيّز الذي شغله معنى القوة الظاهرية في بناء أنفسهم، وهو لا يكلفهم مالاً، ولا يتطلّب منهم مجهوداً كما يتطلب منهم المعنى الأول، ألا وهو معنى " الصلة بالله تعالى. 

إن الصلة بالله تعالى تصنع في حياة الإنسان من النشاط والحركة والقوة والتأثير ما لا يصنعه بناء كمال الأجسام ولا سبيل للمقارنة بين المعنيين، وأضرب لك لتقريب هذا المعنى الأمثلة التالية: 

المثال الأول: حين أراد الله تعالى أن يرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغ الناس هذا الدين أبلغه وصية نافعة وأرشده إلى الطريق الذي يتحمل به أعباء الدعوة، وشدد عليه في اعتناق ذلك المعنى بكل ما يملك ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4] وكل ذلك كان من أجل البلاغ، ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [المزمل: 5] كأن الله تعالى يقول به: إنه لا سبيل لك للقيام بهذه المهمة الشاقة الصعبة إلا بحسن الصلة ووطيد العلاقة وقوة الحياة في قلبك واستمدادك للقوة التي تحملك لبلاغ دين الله تعالى في الأرض. وكانت هذه الوصية فيما بعد هي زاد النبي صلى الله عليه وسلم الروحي والمعنوي الذي استوثق منه غاية وسعه فاستقبل بعد ذلك الدعوة وهو في أوج روحه وعطائه وجهده فذهب يعلي بها كلمة الله تعالى في الأرض، وما رحل من الدنيا حتى سجل أروع صور التاريخ أثراً. 

المثال الثاني: في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن فاطمة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تَسْأَلُهُ خَادِمًا وَشَكَتِ الْعَمَلَ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم لها: « أَلاَ أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ تُسَبِّحِينَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَتَحْمَدِينَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ وَتُكَبِّرِينَ أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ »